أبي منصور الماتريدي

309

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بعد الموت أعجب ؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته ؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا ، عرفوا أنه قادر على ذلك كله ؛ فوصفهم الله تعالى بالعجز ؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة ، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك ، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك ؛ وعلى أكثر منه . وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك ؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج ، وإنما كان منك البيان والدعاء ؛ فأعجب : قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث ؛ وقولهم في الله سبحانه ما قالوا فيه ؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله ؛ بالله إليهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث ؛ كان كفرهم بالبعث كفرا بالله ؛ لأنهم عرفوه عاجزا ، حيث قالوا : لا يقدر على بعث الخلق ، ومن عرف ربه عاجزا - فهو لم يعرف الرب الحقيقة ؛ والإله الحقيقة . وقوله - عزّ وجل - : وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ . قال بعضهم : صار الكفر في أعناقهم أغلالا ؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر ، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم ؛ يعكفون عليها « 1 » ويخضعون ؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم . وقال بعضهم : قوله : وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ . في الآخرة كقوله : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . . . الآية [ الحاقة : 30 ] وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) وقوله - عزّ وجل - : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ . الاستفعال يكون على وجهين : يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه ؛ كقوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] قيل : أجيب لكم ، وقوله تعالى : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي

--> ( 1 ) في أ : لها .